هاشم معروف الحسني
231
تاريخ الفقه الجعفري
وهذا النوع من الاجتهاد مما لا بد منه في مثل هذه الحالات ، لان الاسلام بطبيعته لا يحجر في الرأي على أحد ، ما دام العلماء يسيرون في فلك القرآن وسنة الرسول ، الذي لا ينطق عن الهوى . على أنه قد يتعسر أحيانا على القضاة والفقهاء ، ربط بعض الحوادث بتلك القواعد العامة ، التي وردت في الكتاب والسنة ، أو تطبيقها على الجزئيات المتجددة وفي مثل ذلك لا مفر من الحكم بآرائهم ، بعد الفحص والتحري عن الواقع . وقد أقر الرسول صلى الله عليه وسلم معاذا وامتدحه على قضائه في مثل هذه الحالات . ومهما كان الحال ، فالاجتهاد الذي شاع بين فقهاء التابعين وامتازوا به عن فقهاء الصحابة ، لم يكن خارجا عن فلك القرآن والسنة ؛ وانما كان في فهمهما ، وتطبيق الكليات على ما تجدد من الحوادث التي لم يكن شيء منها في الغالب يشبه ما كان في عصر التشريع وما بعده من فجر عصر الصحابة . وليس السبب فيه ما يدعيه المستشرق ( جولد شيهر ) من أن الاسلام لم يأت إلى العالم بطريقة كاملة ، وان القرآن نفسه لم يعط من الاحكام الا القليل ، ولا يمكن أن تكون احكامه شاملة لهذه العلاقات غير المنتظرة كلها ، مما جاء عن الفتوح ؛ وانه كان مقصورا على حالات العرب الساذجة ومعنياتها ، بحيث لا يكفي لتلك الأوضاع الجديدة التي نجمت عن الفتوح ( 1 ) . ومن ذلك ينتهي إلى الاجتهاد ، وكان لا بد منه . وعلى أساسه تطور الفقه ، وشاع العمل بالرأي بين الفقهاء . ولا بد لنا من الوقوف معه حول هذا الرأي وعلى الأخص عند قوله : أحكام الاسلام كانت مقصورة على حالات العرب الساذجة .
--> ( 1 ) تاريخ الفقه الاسلامي ، عن كتاب العقيدة والشريعة في الاسلام ، للمستشرق المذكور .